خطر الانحراف الثقافي وأهمية العودة للقرآن.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا. ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.
القلوب تتغيّر، والتعامل مع الأحداث يتطوّر، ولا يعني هذا التطوّر بشكل إيجابي دائمًا؛ قد يكون التعامل العفوي السابق أفضل من تعاملك الحالي مع نفس الموقف، رغم اكتسابك الخبرة والثقة والعلم… لماذا؟
تخيّل أنك شخص تربّيت في بيت طاهر ومهتم بتعاليم الدين الإسلامي ومعتقداته، وتأسست على علوم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وبعد أن خرجت من البيت، انخرطت مع أصحاب ذوي ثقافات مختلفة، ومع الأيام بدأت ثقافتك تنحرف عن الثقافة الإسلامية إلى ثقافة اتّباع الهوى والحرية المفرطة. كنت تتعامل مع المواقف بكل أدب وخلق رفيع، وتتبين من الحقيقة والأنباء قبل أن تصيب قومًا بجهالة، وكنت لا تلمز أحدًا ولا تغتاب ولا تكذب ولا تتجسس ولا تسخر من أحد حتى ولو كنت خيرًا منه. كل هذه الأخلاقيات تغيّرت وأبدلتها بالاستهزاء والغيبة والنميمة والكذب والنفاق والسخرية والنكت والهوى وغيرها. كل هذه السلوكيات اكتسبتها تدريجيًا دون أن تدري.
مضت السنوات وأنت تتعلّم وتستقي من حولك، من أصدقاء المنصات الاجتماعية، وزملاء العمل، ومن الكتب التي تدعو إلى مبادئ ومعتقدات مخالفة للعقيدة الإسلامية، دون أن تدري، وتحسب أنك تحسن صنعًا. وتظن أنك أصبحت حرًا، وتحرّرت من قيود العادات والتقاليد إلى عالم أوسع وأكثر نفعًا وسعادة. تظن أنك بحوارك مع الآخرين مثقّف، وبمخالطتك الجنس الآخر دون ضرورة متفتح، وبقراءة الروايات الروسية والإنجليزية بإفراط أنك تكسب ثقافة وفلسفات ستساعدك في حياتك وفي وضع مبادئك.
الفطرة السليمة البدائية (قبل الخروج من البيت أو القراءة) قد تتفوّق على بعض المعتقدات الدخيلة التي نظنها اكتساب علم ومعرفة وخبرة، ولذلك تعاملك مع بعض الأحداث الحياتية قد يكون أفضل في مرحلتك الأولى من مرحلة الثلاثينات أو الأربعينات. وهذا أمر خطير ومرعب؛ بعد كل هذا العمر تكتشف أنك تتعامل بشكل خاطئ مع الأحداث، قد يكون هذا الخطأ غضبًا أو جفاءً أو كذبًا أو غيبةً أو نميمةً أو سرقة أموال أو نصبًا أو تحايلًا أو خلوةً مع غريب من غير محارمك أو لبسًا غير محتشم أو كلامًا بذيئًا أو عدم أمانة في أداء الواجب أو العمل، أو أصبحت لا تصلّي الصلاة في وقتها بعدما كنت محافظًا عليها… هناك الكثير من التقصير أو الانحراف، بعلم أو بغير علم، تكتشف أن الكثير من الأخلاق والسلوكيات الحميدة قد تلاشت واستبدلتها بعادات سيئة وتقاليد غربية لا تمتّ بالإسلام بصلة، بحجة الحرية وغيرها من المبادئ التي اكتسبتها في طريق البحث عن الثقافة والتحضّر.
لحظة تفكّر وإدراك لما يحدث، لحظة وقفة مع النفس، قد تكون فرصة لإعادة المسار أو تغيير الطريق، أن تبدأ بتدرّج، وبتحسين مستمر، أن تعود للأساس وتحاول ترميمه أو تجديد قواعده. وأهم الأساسات هو العودة للقرآن الكريم، هذا الكتاب العظيم الذي هجرناه، وهو شامل كامل لكل ما نحتاجه من تعاملات وأخلاق وعقائد سواءً اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية وغيرها. هذا القرآن العظيم بمعجزاته وآياته المختلفة، من إعجاز تشريعي أو بلاغي أو علمي أو خبري أو بياني وغيرها، قادر على أن يغيّر حياتنا، ويضمن لنا المسار الصحيح الذي به نحيا حياة طيبة في الدنيا، ونفوز بجنات النعيم في الدار الآخرة، إن شاء الله.
ولتبدأ بالقرآن الكريم، النية هي الأهم، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. وإذا أردت أن تصل لفهم القرآن الكريم، ابدأ واستمر ولا تتوقع أن تكون عالمًا بين ليلة وضحاها، ولكن اعلم بأن القرآن الكريم ميسّر للذكر لمن أراد أن يتدكّر. ابدأ بشيء يسير، اقرأ بهدوء وتأمل ولا تعجل به، استمع وأنصت لعلك تُرحم، واحرص عليه كل يوم لعل قلبك يخشع ويطمئن وينقشع الران، فيظهر المخفي، وينفتح المغلق، ويتيسر العسير. فيكون لك الصاحب والرفيق والمرشد والكريم والحكمة والصراط المستقيم، فتكون من المتقين وهو هدىً لك، ويُعلّمك الله التأويل ويفقهك في الدين. لا تستنقص من نفسك ولا تحتقر أي عمل يقرّبك إلى الله وإلى القرآن. آية واحدة كل يوم تقرأها بتدبّر وترتيل وهدوء قد تفتح لك أبوابًا لم تفكّر فيها.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.




مقال مفيد
جزاكَ الله خيرًا
مقال رائع وطريقة طرح الفكرة والموضوع اسطورية ⭐️⭐️⭐️🦋🦋