نظرة أخيرة
وداعٌ بلا كلمات
كان ينظر إليَّ بنظرة وداع، لا يستطيع التحدّث، ولا حتى الحركة. كان يتمنى لو يستطيع رفع يده، أو حتى تحريك رأسه، مستلقيًا في سرير المستشفى، ينتظر أن يعود يومًا إلى الحياة.
نظرت إليه وقلت: «انتظر، الآن سيأتي الطبيب لينظر في حالك.»
ذهبت مسرعًا لطلب الطبيب، لكن ردّ فعلهم كان باردًا، كأني أكلم حائطًا، ولو كان حائطًا لسمعتُ صداي على الأقل. ردّ الممرض بكل هدوء: «سنأتي الآن»، وبكل أريحية، بينما كنت أثور في داخلي من شدة اللامبالاة.
حضر الطبيب وقال: «هذا حاله، لا جديد.» لم يعطني أي تعليمات أو مستجدات لكي أعتني بأبي بنفسي، ولم يخبرني بأي شيء.
نظرت إلى أبي مرة أخرى، كان فمه جافًا من العطش، ولم يأكل منذ مدة. ماذا أفعل؟ أعطيته بعض القطرات من الماء، فعادت إليه روحه قليلًا.
وبعد فترة قصيرة، رأيته متعبًا، ينظر إلي ولا يستطيع الكلام، كان يكلمني بعينيه، بنظرات وتحديق طويل، وكأنه يقول لي: «أنا ذاهب… أنا ذاهب… هذه آخر لحظاتي في هذه الحياة، أنا أنظر إلى الموت الآن، بعدما كنت أرى الناس تموت. فارقتُ الكثير في حياتي، ولكن الآن هذه لحظتي التي كنت أنتظرها، ولكنها لحظة صعبة عليّ، وأنا لا أحتملها. أريد مساعدتك الآن، حاول مساعدتي، لا تذهب بعيدًا عني.»
أعطيته جرعات أخرى من الماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ماذا أستطيع أن أفعل غير هذا؟ الطبيب لم يستطع فعل أي شيء.
أعطيناه قطرة ماء، لكن يبدو أنها علقت في مجرى الرئة، فانقطع مجرى التنفّس ولم يستطع التنفّس. حاولتُ عدة مرات أن أحرّكه لتنزل تلك القطرة، ولكن لا جدوى.
ذهبت مسرعًا لأنادي الممرض، وأخبرته بالحادثة، فجاء ومعه فريق. ثم طلب بعضهم إحضار جهاز لإنعاشه بالصدمات، وأنا أراه وهو يفارق الحياة. مضت عدة دقائق دون أن يتنفّس.
ماذا بعد؟ بعد عدة صدمات، قالوا أخيرًا إنه لا يزال حيًا، لكنه لا يستطيع التنفّس إلا بجهاز اصطناعي، وهو فاقد الوعي.
ماذا بعد؟ ماذا أفعل؟ لا شيء سوى الدعاء واللجوء إلى الله، فقد فقدتُ الأمل بالأطباء…
وفي اليوم التالي، جاءنا الاتصال بأن والدي قد فارق الحياة. إنا لله وإنا إليه راجعون.
لازلت أذكر تلك النظرات الأخيرة، شعرت بأنها نظرات وداع، كان يقول لي كلامًا كثيرًا بعينيه، يقول لي حان أجلي، أعتني بأمك، ولا تنسى أخوتك، كونوا يدًا واحدة، ولا تتفرقوا، فلن تروني بعد يومي هذا.



رحمه الله، وجعل ما مرّ به في ميزان حسناته.
عزاؤك أن الرحمة الإلهية أوسع من الألم، وأن من نحب لا يضيعون عند الله، نحن نودّع والله يستقبل.