أطياف من زمن الماضي: ملامح من حياة تلاشت.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا. ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.
في بلدةٍ نائيةٍ عن الضجيج، قريةٍ عريقةٍ من قرى سلطنة عُمان، وفي عام ١٩٩٠م، حين بدأتُ أرى النور في هذه الدنيا، وبين الجبال والوديان، كان هناك مجتمعٌ آخر غير الذي أعرفه الآن. في القرية نفسها كان هناك أناسٌ قدامى أصبحوا من الماضي، بعضهم رحل وترك آثاره، وقليلٌ منهم لا يزال يرى تقلبات الأيام. عاداتٌ وتقاليدُ تبدلت، وممارساتٌ عتيقةٌ تلاشت، فما بقي منها إلا قصةٌ من لسان شيخ، أو مشهدٌ طُبع في الذاكرة. لا أعتقد أني أستطيع سرد تلك التفاصيل والأحداث؛ فأنا حديث عهدٍ بتلك الفترة، ولكن شهدتُ قليلها، وسمعت بعضاً عنها، ولعلي أنقل لكم بعض المشاهد الناقصة.
كان الجار يلتقي بجاره كل يوم، ولا يمتنع عن زيارة عمه أو خاله أو أخته فوق ثلاث ليالٍ. القهوة تفوح رائحتها صباحاً، وسَمَرُ الحديث ينفذ من مسامات الهدوء ليلاً. المكان تغشاه العتمةُ، وينيره الأنس والألفة؛ كان الواحد لا يبرح المكان حتى يعود إليه في اليوم التالي بروحٍ جديدة، مهما أصابها من جدالٍ ونزاعٍ في الليلة الماضية. كانت العادات تُجبره على التسامح، والنخوة على الحديث والصفح. لا أعلم ما في قلبه من غِل، ولكني أعلم أن تلك العادة التي تقوده للقاء وصلة الرحم كانت تطفئ حريقه، وتداوي جروحه، وتردّه رداً إلى جادة الصواب بنفسٍ راضيةٍ مرضية. هذه عادةٌ تلاشت.. صلة الأرحام.
لم تكن الأنعام والحرث مجرد حب للشهوات، بل كانت ذات قيمةٍ غاليةٍ لدى معظم الناس، وهي مصدر قُوتٍ لهم، وربما دخلٍ للبعض الآخر. كانوا يعتنون بالنخلة كأنها فردٌ من أفراد العائلة. لذلك كان الماء نعمةً عظيمةً ينقبون عنه، فمنه ما يكون على هيئة سيلٍ كالوادي، وبعضه أفلاج؛ وهي قنواتٌ شُقت بين الصخور ومرت على منخفض ومرتفع، تمتد من المنبع إلى الزرع عشرات الكيلومترات دون مضخات، إنها هندسة الحاجة التي هي أم الاختراع. وهناك آبارٌ حُفرت بشكلٍ يدويٍ لمئات الأمتار، ولتلك الآبار حكاياتٌ وتحديات، فبعضهم توفاه الله في قاع البئر بسبب نقص الهواء والأكسجين، وبعضهم نجوا بصعوبةٍ في آخر لحظة بعد إنقاذهم. سمعت قصصاً كثيرة، ومن بين من نجوا والدي وعمي. وفي قصة أخرى، بئرٌ حُفر بمطرقةٍ ومسمار حفر (مسمار طوله شبران)، تخيل! كيف كان صبرهم وإصرارهم على بلوغ الغاية. تلك الآبار لا تزال شاهدةً عليهم، وتلك المساعي لا يزال نعيمها يحفنا، نتلذذ به دون أن ندري أو نستشعر قطرةً من عرق جبين من حفرها. جزاهم الله خيراً وعوضهم الفردوس الأعلى من الجنة.
كان نصيب الماشية من الاعتناء لا يقل أهميةً عن النخلة. سمعت أنه كان هناك راعٍ مخصص يجمع كل أغنام القرية في نقطةٍ واحدة، ثم يسير بها مختلطةً مسافاتٍ طويلة بحثاً عن الحشائش البرية والخضرة في الجبال ومنابع المياه، ثم يرجع بها آخر النهار قبل الغروب إلى المكان نفسه الذي اجتمعت فيه، فيتفرق كل قطيعٍ إلى صاحبه، دون أن يظلم أحدٌ أخاه بسؤالِ نعجته إلى نعاجه. كان ذلك قبل مجيئي للدنيا بعقود، ومع ذلك مارست هذه المهمة الجميلة في صغري حيث كان للمكان دورٌ في ذلك، ولجدي (رحمه الله) الدور الأكبر في توجيه العائلة إلى الاعتناء بالأغنام، ليس لأجل المرعى فقط، ولكن لأنها عندما تتحرك وتخرج من الحظيرة فهي تتعرض لأشعة الشمس والهواء النقي، وهذا يخلصها من أمراضٍ كثيرة.
أذكر أنه كان لدينا قطيعٌ كبيرٌ من المواشي، وبعد وفاة جدي أخذت تموت واحدةً تلو الأخرى، حتى بقي عددٌ بسيط. وكذلك الحال بالنسبة للمزرعة، كان فيها ما لذ وطاب من الفواكه؛ من النخيل والأعناب والليمون والمانجو والفيفاي والتين والزيتون (الجوافة) وغيرها. كل ذلك بدأ يتلاشى مع ذهاب جدي وكأن بركاته رحلت معه. والحمد لله من قبل ومن بعد. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك. تقلبات الدهر مخيفة، لا يدوم لها حال، وكما قال أبو البقاء الرندي في قصيدةٍ مؤثرة، هنا بعض منها:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ
فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ
مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ
ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ
•••
…للقصة تكملة
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.





رائع، بإنتظار التكملة..