وبالوالدين إحسانا .. وتربية الأبناء.
الحمدلله رب العالمين
حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
ربِ اشرح لي صدري ويسر لي امري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
••• فانطلقا، حتى إذا أتيا أهل قرية، وجدا شيخًا جالسًا لوحده في ركنٍ منعزلٍ عن الناس، يبدو عليه الحزن وكثرة التفكير، متكئًا على حائط، ورأسه ملقى إلى الخلف، مغمضًا عينيه، ويده اليمنى على رأسه.
فلم تَطِب نفسيهما حتى يعرفا ما يكتمه من حوادث الدهر. اقتربا منه بهدوء ودخلا عليه، ففزع منهما. فقالا: سلامًا، لا تخف.
ثم سأله أحدهما (الأول): لقد رأينا ما أنت عليه من همٍّ وحزن، فما فعل بك هذا؟.
قال الشيخ: كان لي ولدٌ أحببته حبًا جمًّا، وحرصت على تنشئته وتربيته والإنفاق عليه ورعايته حتى استوى، فلما بلغ أشدَّه أرهقني طغيانًا وكفرًا، فلم أجد منه إحسانًا، ونهرني في بيتي. فخرجت خائفًا أترقب، وتهت في أرض الله الواسعة ليلتين، حتى وصلت إلى هذه القرية الغريبة عني، فآويت إلى هذا الركن، على حالي هذا.
قال له الآخر: لا تخف ولا تحزن، إنا رادوك إليه إن شاء الله، وإنا بإذن الله جاعلوه من الصالحين.
قال الشيخ: وكيف يتغير المرء ما لم يغير ما بنفسه؟ إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء.
قال له: سيهديه الله ويصلح باله، إن شاء الله.
قال الشيخ: لقد نصحت له، ولكنه لا يحب الناصحين، وأمرت أصحابه الصالحين، فأمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر، فلا يسمع لهم، كأن في أذنيه وقرًا فلا يهتدي. أنا السبب، أنا المسؤول عنه، بذلت الآن كل جهدي ولم أستطع أن أهديه، لكن بعد فوات الأوان. لم أَرْعَهُ حق رعايته منذ صغره. كنت أحسب أن الرعاية هي توفير الملبس والمشرب والمسكن والمال، وأن أعطيه ما يريد مباشرةً دون عناء. لم أدرك حينها أنه يتكوَّن ويتشكل ويتعلم بإعطائه المسؤوليات، وحثه على الصلاة والاصطبار عليها، وأن يكون أول ما يتعلمه هو القرآن الكريم والعقيدة الإسلامية حتى ينشأ بتأسيس قوي. لم أدرك أن الطفل يتعلم ويقلد أباه بالفعل لا بمجرد الكلام، ولم أدرك أن بُعدي عنه لفترات طويلة وعدم الجلوس معه ترك فجوة بيني وبينه، فلم يرَ فيَّ الأب الرحيم العطوف الذي يستمع له، ولم يجد الأمان عندما يخطئ. فخرج من البيت ووجد من يسمع له من أصحاب السوء، ووجد من يتحدث معه ويحاوره، فتغيرت شخصيته وفكره وتشكلت خارج البيت، وشابها ما شابها من سلوكيات خاطئة وأخلاق رذيلة، وأنا في غفلة عنه. ولما بلغ الكِبَرَ مني، وطلبته أن يحسن بي، قال: آلآن وقد غفلت قبل عني؟!!
قال له الأول: لا تحزن يا عمي. ابن سيدنا نوح (وهو نبي الله) أمره أن يكون معه ويركب السفينة ولا يكن مع الكافرين، ولكنه عصاه وقال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، ولكن لا عاصم له من أمر الله. ولما قال نوح إنه ابنه وإنه من أهله، قال له ربنا تعالى كما في الآية التالية:
قال تعالى:
"وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ (٤٦)"
هود [45-46]
فقال الشيخ: نحن الآباء يجب أن نعلم أبناءنا ونجتهد في حثهم وتنشئتهم ليس بالرعاية فقط، ولكن بالتربية الصحيحة التي أمرنا بها الإسلام، وأن نكون معهم آباءً وإخوةً وأصحابًا، وأن نكون قدوة لهم بالأقوال والأفعال. وفي سورة لقمان من المواعظ والحِكم لابنه وهو يعظه، فلنرجع إليها ونتدبرها. ونرجع إلى القرآن الكريم ونتأمل العبر فيه والقصص ونتدارسها مع أبنائنا. ونبذل جهدنا ما استطعنا، وبعد ذلك نترك الأمر لهم، والقرار لهم بعد النصح والتوجيه. وفعلاً، ليس كل ابنٍ سيئ سببه والديه؛ فهناك من هم أمثال ابن سيدنا نوح عليه السلام، الذي كفر. وفي المقابل، من يريد أن يكون مع الله، حتى لو كان في بيئة كافرة، سيهتدي، مثلما ضرب الله لنا مثلاً في القرآن بامرأة فرعون الصالحة.
قال له الآخر: مع ذلك كله، الولد لا يجب أن يعق والده، مهما كان. ولنا في ذلك مثل أعلى، في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي نصح أبيه بعدما اتخذ أصنامًا آلهة، وطلب منه أن يتبعه ليهديه صراطًا سويًا، وأن لا يعبد الشيطان، وإنه إن لم ينتهِ سيأتيه عذاب من الرحمن. فقال والده: لئن لم تنتهِ لأرجمنك وهجرني مليًا. فقال له إبراهيم: سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا. كما في الآيات الواضحة البليغة التي تغني عن كلامي مهما شرحت.
قال تعالى:
"وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا (٤١) إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا (٤٢) يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا (٤٣) يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا (٤٤) يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا (٤٦) قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا (٤٧)"
مريم [41-47]
قال الشيخ: اتركاني الآن ومضيا في سبيلكما، وشكرًا لكما على هذا الحوار الطيب، ربما عليّ أن أتعلم من هذا الدرس، وأدعو لأبني بالهداية، سأستغفر له ربي. سأعود له، لن أيأس، وأحاول أن أعيش معه مرة أخرى، سأذكّره، لعله يتذكر أو يخشى.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْك.


جزاك الله خير
ومهما كانوا الاباء قاسين فأطعهما ولا تقل لهما أفٍ .
ما نلحق جزاهم والله .