الإدارة أم الهندسة؟
كانت بدايتي في المدرسة حبَّ الرياضيات والفيزياء، فقررت أن أتخصص في الهندسة الميكانيكية بحكم علاقتها بالفيزياء والطاقة الحركية والحرارية. أحببتُ التخصص كثيرًا، وتطلعتُ لأن أكون مهندسًا بارعًا ومبدعًا في يومٍ من الأيام. وأثناء دراستي كنت أبحث عن عمل، لعلّي أكون محظوظًا بفرصة.
فعلاً جاءتني فرصة من مؤسسة كبيرة، ولكنها كانت بعيدة عن مجال الهندسة. فكّرت كثيرًا في الموضوع، وبعدها توكلت على الله، لأني كنت أرى كثيرًا من الباحثين عن عمل، فتشجعتُ لقبول العرض الوظيفي.
بدأتُ تدريجيًا في مجال الإدارة، وكنت بعيدًا كل البعد عن تخصصي الهندسة. وكنت دائمًا أنظر إلى المهندس بأنه شخص ذكي. وبعد فترة طويلة قررت أن أجرّب الهندسة، وتحديدًا مهندس مشاريع لفترة قصيرة، وبعدها أدركت أن الواقع مختلف. إدارة المشاريع تحتاج أن تتابع مشروعك بشكل دائم، حتى في إجازتك ووقت راحتك، وهناك الكثير من الأمور الأخرى الفنية التي لم أتوقعها، وتحتاج إلى شرحٍ طويل.
بعد ذلك رجعتُ إلى مساري السابق وهو الإدارة، وهذه المرة عن قناعة بأن هذا المجال فيه مميزات وجوانب تناسبني، رغم أني لستُ بالماهر في كل شيء فيه، ولكن هذا المجال يحتاج إلى تعلّمٍ وتطويرٍ للمهارات بشكلٍ مستمر حتى تُبدع فيه، ولذلك درستُ ماجستير إدارة الأعمال.
ولكن وبكل صراحة، هناك أيامٌ ثِقال لن يتحملها أي شخص، وتحتاج إلى صبرٍ وحسن تعامل، لأننا نتعامل في الإدارة مع الناس بشكلٍ كبير، وليس مع آلاتٍ أو عمليات. وأحيانًا أقول إن هذا ليس مكاني! أنا شخصٌ فنيٌّ وليس إداريًّا. ومن جهةٍ أخرى، عندما أسمع عن المشاكل الفنية التي تُكلّف الملايين، وعن أخطاء المهندسين، وعن نقص الإنتاج وتحدياته، أقول في نفسي: “خلني على الإدارة أفضل”.
جرّبتُ الإدارة وجرّبتُ الهندسة، وكلاهما فيه إيجابيات وسلبيات. والحمد لله على كل حال، الرضا مهمٌّ جدًا، والتأقلم أينما كنتَ هو قوة ومهارة يحتاجها كل شخصٍ طموح.
في النهاية، لا تدري ولن تدري ما هو أفضل شيءٍ لك إلا بعد التجربة، وربما لن تأتيك الفرصة للتجربة رحمةً لك، ولحكمةٍ أرادها الله لك. أينما كنتَ، زد من قوّتك “مهاراتك” في مجال عملك، وكن أمينًا واصبر، وسترى كيف تتطور.



