قُطـوف الفِكـر: من التأمل في الحياة إلى وعي يتشكل.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا. ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.
التأمل في الحياة والعودة إلى الله
كنت ذات يوم في المستشفى، مقيمًا مع والدي ( رحمه الله)، وجلست أتفكر في الحياة وكيف أن بعض أيامها مرهق، وأن بعض المواقف تُخرجك من العالم الذي حولك إلى عالم آخر من التفكير والتحليل، تشعر بالعجز ولا تجد مخرجًا سواء كثرة الدعاء والذكر، الحياة الواقعية مختلفة جدًا عن ما نقرأه في الكتب من أمورٍ في فن التعامل مع الحياة، أحيانًا نمر بأوقات ننسى فيها كل شيء ونتذكر شيء واحد وهو الله الذي يستحق أن نرجع إليه وندعوه بأن ييسر أمورنا ويفتح لنا أبواب الخير في حل مشاكلنا، ولعله خير هو ما يدور بداخلنا، ولأننا نؤمن بأن الله هو مدبر الامور وهو الذي إذا أراد شيء أن يقول له كن فيكون، ولا اعتراض على أمره، بل أمل بأنه أفضل وخير لنا مما كانا نريده ونستعجل له.
الحياة حزن وفرح، نجاح وفشل، قلق وراحة. أنت إنسان، وقد رضيت بحمل الأمانة، وهذا هو الواقع الذي لا مفر منه. لا يوجد شخص سعيد دائمًا.
منغصات الحياة كثيرة، ولكن في اعتقادي، إذا تخلصت من الأمور المذكورة في الدعاء التالي، فقد تخلصت من أكبر المنغصات. فادعُ بهذا الدعاء دائمًا وفي كل يوم، واستشعر معناه.
دعاء ثابت عن النبي ﷺ كان يدعو به، فيقول: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.”
وإذا حصلت على الأمور المذكورة في الحديث التالي، فينبغي أن ترضى وتحمد الله كثيرًا، وتستشعر معناه.
قال رسول الله ﷺ: “من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًا في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”
النفس وتقلباتها والتوازن
المزاج يمكن أن ينقلب بمجرد أن يُلغى شيئًا جميلًا كنا ننتظره، وينقلب أيضًا عندما يأتينا شيء آخر يعكّر صفونا. التأقلم مع هذه التقلبات أمر ضروري، ويحتاج إلى تصالح مع النفس قبل المحيط الخارجي، وأن نستقبل هذه التغيرات بمرونة. تكمن المرونة في أن نقف للحظة ونتفكر في التغير الذي طرأ؛ فربما كان لصالحنا دون أن ندري، وربما كان تأخيرًا لشيء أجمل. إعادة ضبط المشاعر والتفكير مهمة جدًا، وتحتاج إلى ممارسة، وهي تحدٍّ صعب لمن لم يعتد عليها.
أحيانًا أفكر في الطرف الآخر، عندما يطلب مني شيئًا لا أريد أن أفعله في قرارة نفسي، ولكن إن فعلته سأبعث البهجة والسرور والسعادة في قلبه. في تلك اللحظة قد أشعر بالانزعاج أو التوتر بسبب التضحية من أجل الآخر، لكن ما إن أعيد التفكير وأنظر إلى الأمور من زاوية أخرى، يخفّ عني ما بدا لي، بل وأحيانًا يتحول مزاجي من الحزن أو القلق إلى الفرح والسرور. ما أحوجنا إلى أن نترك أثرًا، وما أنبل الشخص الذي يؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة، خصوصاً إذا كان لشخص يستحق ونحبه.
قد يمرّ الإنسان بفترةِ مزاجٍ سيئ، وقد يمرّ بوعكةٍ صحيةٍ موسمية، كالزكام والبرد والصداع والحمّى. لنفترض أنها مكثت في جسدك مدةَ أسبوعٍ أو أسبوعين، وربما أكثر. هذه الوعكات ليست مجرد حالةٍ عابرة، بل هي أعمق من ذلك.
عن النبي ﷺ قال:
«ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكةُ يُشاكُها، إلا كفَّرَ اللهُ بها من خطاياه».
إذا كنا نُؤجر على الشوكة، وتُكفَّر بها خطايانا، فما بالك بمرضٍ أو وعكةٍ تمتد لأسابيع؟
هذه الرحمة تنزل علينا بين فترةٍ وأخرى، ليس لأجل نَصَبٍ يصيبنا فحسب، بل تحمل معاني عميقة؛ تحمل راحةً من عناء الركض خلف هذه الدنيا، وتجعلنا نشعر بمن يعانون في المستشفيات لسنوات، وبشخصٍ لا يقوى على الحركة، أو لا يرى، أو لا يسمع، أو لا يتكلم. وهناك من هو في همٍّ وحزن، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ومن هو مغمومٌ بمصيبةٍ لا طاقة له بها. وهناك إخوةٌ لنا تحت بردٍ شديد، لا يأويهم إلا خيامٌ تقطر، تحرّكها الرياح ذات اليمين وذات الشمال، ولا يجدون من يبسط لهم يد العون.
لو أعدنا التفكير في كل مرة نُصاب فيها بوعكةٍ عابرة من بردٍ أو حمّى، ولو اعتبرناها أجرًا وتكفيرًا لذنوبنا، لكنا في مزاجٍ أفضل بكثير. أعتقد أن الكثير منا يفهم هذا، ولكننا نحتاج إلى التذكير بين حينٍ وآخر. أنا أكتب لأُذكّر نفسي أولًا، وأحب أن أُذكّركم؛ لأني أشعر بأننا في قريةٍ واحدة هنا، في هذا المجتمع.
وإني لآسف على قومٍ كلُّ كلامهم حزنٌ واكتئاب، نقدٌ وعتاب، وقد نسوا حظًّا كثيرًا من النِّعم، فلم يتحدثوا عنها.
لماذا لا نتحدث عن الإنجازات، والأمل، والطموح بقدر ما نتحدث عن الحزن والهمّ؟
لا أخفيكم، من كثرة ما أرى من الذين يتحدثون عن الحزن والكآبة والقلق، أحيانًا أرغب في الابتعاد عنهم، فأبحث عمّن يتحدث عن الأمل والتفاؤل والطموح.
التوازن مطلوب، ولا ينبغي أن نُضخِّم العواطف والمشاعر، خصوصًا في أوقات الفراغ والليل. وأحيانًا أقول في نفسي إن ذلك من وساوس النفس الأمّارة بالسوء، ومن خطوات الشيطان الذي يعدنا الفقرَ وضيقَ العيش.
وأنا لا أدعوكم إلى التوقف، خصوصًا إذا كان الغرض هو الكتابة والتعبير والتفريغ، ولكن لنعطِ أنفسنا حقَّها في الجانب الآخر المشرق، في النِّعم التي تحفّ بنا من كل جانب.
ألا تستحقّ هذه النِّعم العظيمة أن نشكر الله عليها، ونحمده، ونتفاءل، ونتوكّل عليه؟
﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾
الإنسان والناس وأثر الكلمة
بعض المواقف لا نتذكرها، ولكن الطرف الآخر يتذكرها. لماذا؟ لأن للكلمة أثرًا، فالكلمة قوة تُؤثر بشكل إيجابي أو سلبي. عندما تُؤثر الكلمة، تبقى في الذاكرة وتكون إما مصدرًا إيجابيًا أو سلبيًا.
وربما بعض الكلمات تؤثر عليك بشكل سلبي في بداية الأمر، ولكن عندما تُدرك وتُفكر وتنظر إلى الموقف من زاوية مختلفة، يمكن أن تتحول هذه الكلمة إلى مصدرٍ للتحفيز والتطوير.
الكلمة قوة لا يُستهان بها، تُغير حياة أشخاص من لا شيء إلى قمة في العطاء والإبداع والتميز، وتحول المنحرف إلى مستقيم محترم، والفقير إلى غني، والعاطل إلى مِعطاء، والجاهل إلى عالِم.
هناك فكرة تعلمتها عندما أتحدث أمام الآخرين: تخيَّل أن شخصًا ما سيتغير ويتأثر بسبب كلماتك، هذا الشعور الجميل يحفزني أكثر لبذل الجهد لترك بصمة في المستمع، ربما ستغير حياته للأفضل. هذا الشخص سيظل يذكر فضلك عليه طوال عمره، وربما ستنسى أنت ذلك الموقف. أثر الكلمة يبقى، سواء كان سيئًا أو إيجابيًا، فاختر كلماتك بعناية.
التواضع، ذلك الشيء الخفي، الذي يختبئ خلف الإنسان، ولا يظهر عند الجميع، بل إن بعضهم لا يحبون ظهوره فيهم. عندما ترى شخصًا لأول مرة، فإنك ترى مجموعةً من الصفات في جسد واحد. في الوهلة الأولى قد تُخرج بعض تلك الصفات، وتُزيِّن لك الظاهر، وتُخفي البواطن. في الجانب الآخر، هناك من لا يُجيد التعامل مع اللقاء الأول، فتظهر مكامنه التي لا يحبها، بقصد أو دون قصد، وتختبئ خبايا جميلة، وصفات حميدة، ومن بينها صفة التواضع. يظهر لك بأنه شخصٌ مغرور، لأن ظاهره هادئ لا يحب الحديث مع الغرباء، فتقول: متكبرٌ لا يحدثني، وعليه سمات غضِّ البصر حياءً، فتقول: لا ينظر إليَّ استعلاءً. ثم يمشي مفردًا ذراعيه اللتين هو مخلوق عليهما، فتقول: مشية الخيلاء.
إننا نعتمد كثيرًا على الحكم من أول لقاء أو نظرة. نعتمد على عقلنا الباطن للحكم على البواطن، ونعوّل على مشاهد سابقة على أنها حقيقة ثابتة. ننسى أن لهذا الجسد عوالم خفية، لن نفهمها حتى بعد العيش معها أعوامًا، فكيف نحكم عليه بمجرد لقاء عابر؟!
التواضع لا يمتّ بالمظهر بصلة، التواضع يُعرف بالمواقف، بالحديث مع الصغير والكبير، والتعامل مع الحق بالحق، لا غمط ولا بطر. أن تكون حسن المظهر والخُلُق، سهل الطباع، هيِّنًا وقت اللين، وحازمًا وقت الشدة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ.”
الثقافة في أي مجتمع تأتي بالممارسات والعادات الطيبة، وهذا لا يعني المثالية في كل شيء، وإنما هو محاولة للتحسين المستمر، الذي ستأتي ثماره بجهود الجميع. فشكرًا لكل شخصٍ حاول أن يشارك فكرة، أو يقدّم مساعدة، أو يُسدي نصحًا. كلنا نُخطئ، لكن المحيط الطيب يأتي بثمارٍ طيبة مع الأيام؛ فهذه الأخطاء تُصبح تجارب، وربما أفكارًا في قادم حياتنا.
شكرًا لكل هيّنٍ لينٍ، ولكل حليمٍ يصفح ويسامح، ولكل حكيمٍ يأخذ المواقف بخلقٍ رفيع مهما اشتدّت الأزمات، يتوكّل على ربّه، ويسعى لتحسين نفسه، ودعم محيطه بكل رحابةٍ وسعةِ صدرٍ بما يقدر عليه… ومع ذلك كلّه، تجده حريصًا وحذرًا في بعض المواقف، وحازمًا إذا دعت الحاجة، يعرف متى يلين ومتى يعزم ويرفض، خصوصًا إذا كان الأمر متعلّقًا بالدين، ليس تعاليًا، ولكن احترامًا لنفسه ولكلّ شيءٍ يدعو للخير. لا تهمّه المصالح، ولا تُضعفه المجاملات، بل يعرف متى يكون عاطفيًا، ومتى يكون منطقيًا.
الطيبة ليست مجرّد فعل، بل هي أسلوب حياة يتجسّد في التعامل اليومي مع الآخرين، سواءً كانوا أصدقاء، أو عائلة، أو حتى غرباء. أن تسعى دائمًا لنشر الإيجابية، وتقديم الدعم، والاستماع للآخرين بصدق؛ حيث تصبح جزءًا من شخصيتك وطريقة تعاملك مع العالم.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:
«إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»
في أرجاء هذا العالم الواسع، هناك شخص يعاني لا نعرفه. ربما لا يجد مأوى، في مخيمٍ مغمورٍ بالمياه، تحت وطأة الجوع وصَرْد البرد، لا يجد قوت يومه، مريض في بدنه، وزاد عليه الخوف.
وفي جهةٍ أخرى، هناك شيخٌ كبير، لا يزال أبناؤه صغارًا، يجب أن يعتني بهم، تقاعد من عمله، وتركه الجميع. وشخصٌ آخر وحيد، يريد أن يكوّن عائلة جميلة، لكنه لا يستطيع؛ لا يجد المال، وربما نفر منه الناس لشيءٍ ماضٍ علق به، رغم تغيّره وتبدّل حاله، ورغم أنه أصبح رجلًا صالحًا، فالحياة لا ترحم.
وبينما أسير في طريقي، هناك طفلٌ صغير يجلس تحت حرارة الشمس، يبيع ماءً، لعله يسد رمق عيش إخوته. وهناك فتاة لا تجد كلمة طيبة؛ طغى الخشن على اللين، بحجة أن الآلام تُعلّمنا. وطفلٌ هدّدته مثالية والديه؛ يريدان أن يصنعا منه عالِمًا بين ليلة وضحاها، حتى احتقر نفسه، ولم يجد لها قيمة.
وشخصٌ آخر طموح، مجتهد، مميز، تفاجأ بالواقع؛ لم يصبر من أول اختبار، فباء بالفشل، وخيّم عليه اليأس. لم يجد من يشدّ بيده، ليقرّبه ويعيده لمساره، لعله بعد ذلك يرى أن مع العسر يسرًا، وأنه بعد الصبر والإحسان يدرك أن الله لا يضيع أجر المحسنين.
وهناك من يسمع نداء الصلاة ولا يلبّي، يعرف فضل الدعاء ولا يدعو، يحب الكلام الطيب وكلامه بذيء؛ تلك معركة بين الوعي والتطبيق. وشخصٌ خرج من بيته إلى عمله، فوجد مسؤوله الذي لا يرحم، يهدده ويلقي كل اللوم عليه، ويعاتبه، فيكلفه بعشرات المهام في آنٍ واحد، فيرجع مهمومًا إلى بيته، صامتًا، لا يزال فكره خارج البيت، فينهال عليه زوجه بالعتب دون معرفة ما وراء الجدر، دون احترام أو محاولة لإرجاع المياه إلى مجاريها… وهناك وهناك وهناك، لا أستطيع حصرهم.
عندما نتذكر أن لكل شخص حياة مختلفة، ولكل واحدٍ منا معاناته مع نفسه ومحيطه وحياته، ولكل منا خفاياه وأسراره وتحدياته، وأن لكل منا عالمًا آخر؛ نراه معنا مبتسمًا، يضحك ويناقش ويدّعي المثالية، وهو في ضيق لا طاقة له به، ندرك أنه علينا أن نلتمس الأعذار، وأن نشعر بهم وبما يعانون، وأن نحاول أن نأخذ بأيديهم، بمساعدتهم ولو بكلمة طيبة، أو بدعوة صادقة، أو بصدقة جارية، أو بعلم يُنتفع به، أو بقلبٍ رحيم، وذلك أضعف الإيمان.
التفكير والحوار مع النفس واتخاذ القرار
الأسئلة منبع التحسين المستمر، دائماً أحاول أن أسال نفسي عن ما يدور حولي؟ كيف حدث هذا؟ وكيف أستطيع أن أصل لهذا؟ وما المسار الأفضل للحصول على نتيجة أفضل؟ كل ذلك لتكوين منظورات فكرية أفضل تعينني لتسهيل حياتي، وتساعدني على حُسن اتخاذ القرارات.
تساءلت عن أشياء كثيرة في حياتي، كل هذا من خلال تجارب الحياة واستنتاجي للأحداث والنتائج، كنت أطرح سؤال وأجيب عليه بعد مدة من الزمن من خلال تحليلي للنتائج والمواقف، فأحاول أن أربط الأحداث والأسباب والأسلوب بالنتيجة النهائية، أحياناً أصل واكتشف العقدة لكل مسار وكيف تحققت تلك النتيجة. وأحياناً أدخل في دوامات ودوائر تقذفني خارج الطريق، لأجد نفسي تائه أبحث عن منفذ يُعيدني لأكمل ما بدأت.
أحيانًا، أُحاور نفسي كأنها إنسان غريب، أعرفه منذ مدة طويلة، لكن لم ألتقِ به إلا في الخيال. تارةً يكون صديقًا لي، وتارةً أخرى يكون خصمًا يناقضني في أفكاري؛ يطرح الفكرة ثم يذهب بعيدًا، تاركًا خلفه غموضًا وأوراقًا مبعثرة تحتاج إلى أن تُلملم. وحتى لو جُمعت، لا أضمن أن تكون مطابقة لمبادئي وأفكاري.
الجميل أنّ ذلك الغريب يعود بعد فترة للحوار مرة أخرى، فأبتهج لذلك. وهذه المرة لا أترك له مجالًا للهروب؛ أمسك قلمي وأكتب ما اتفقنا عليه من أفكار، أكتبها لتصبح بمثابة مبادئ ومنظورات فكرية أعيش عليها وأجربها في حياتي. وفي زيارته القادمة أعيد التفكير في بعض المبادئ الخاطئة، فأحاوره من جديد لنخرج بمبادئ جديدة أو محدَّثة. وأحيانًا نلغي بعض المبادئ القديمة التي لم تعد تتواكب مع حياتي الحاضرة والمستقبلية.
لذلك، عندما أقرأ بعض مقالاتي القديمة، أجد فيها شيئًا من التناقض مع ما أكتب حديثًا، وهذا أمر طبيعي من منظوري الفكري الجديد. فالتناقض لا يعني أنني منافق، بل أن أفكاري قد تغيّرت.
التغيير يحتاج إلى جرأة ، الركود في التفكير والرضاء أحياناً يعيقان النمو، ولا تنسى نصيبك من الدنيا. عادة معظم القرارات مهما كانت مدروسة تحمل شيء من الحظ والمخاطرة وهما شقيقان، لا يمكنك أن تعترف بوجود أحدهما دون أن تحترم وجود الآخر، ولكي نتغير لابد أن نتخذ قرارات فيها شيء من المخاطرة ونعرف تكلفة الفرصة إن لم نتخذها، تكلفة الفرصة (opportunity cost)
وهي ما يفوته الشخص عند اختيار خيار واحد بدلاً من خيار آخر. فمثلاً هناك فرصة لديك لتتعلم يومياً ويأتي العائد بعد ٥ سنوات، وربما يكون عائد معنوي وتطور في الفكر والحكمة، بينما هناك خيار آخر بأن تقضي وقتك في فرصة أخرى تراها أفضل وتأتي لك بعائد مادي على المدى القريب. فإذا عرفت تكلفة الفرصة (ما يفوتك من عدم إتخاذ الفرصة الأخرى)، كنت أكثر قدرة على إتخاذ قرار أفضل. في النهاية التوكل على الله والنية الطيبة الحسنة هي مفاتيح مهمة لإتخاذ القرارات.
قرار واحد في حياتك قد يكون بسبب في تغييرك للأفضل وقد يكون تغيير للأسوأ. ربما هذا القرار بسيط جداً ولكن كان شرارة للبدأ في مرحلة أخرى تدريجياً. مثلاً عندما تقرر أن تقرأ وتبدأ فوراً في قراءة كتاب لأول مره في حياتك، ما يدريك لعل هذا القرار البسيط يؤدي إلى توليد شغف جديد لديك، فتبدأ في القراءة والإطلاع والكتابة والتعلم والتفكير ثم يتغير تفكير ومنظورك الفكري ، وبعد ذلك تتغير عاداتك وقناعاتك وقراراتك وتصبح أكثر حكمة وعقلانية ، فتتغير شخصيتك بشكل كبير للأفضل… هكذا نتغير ، نبدأ بشرارة غير متوقعة ، نصيحتي لكل شخص أن يجرب أشياء جديدة وأن يكون فضولياً أحيانا ، لا تدري ما الشيء العظيم الذي بداخلك إلا بالتجربة والبحث عن الذات.
عندما نتجرأ على فعل شيء نخاف أن نفعله، ولكن نُحبّه، فإننا نتقدم بخطوة نحو تجربة جديدة، تجربة تزيد من الخوف؛ لأننا بقينا معلّقين، نخاف أن نرجع، ونخاف أن نتقدم. هذه الخطوة تحتاج إلى دوافع وتحفيزات داخلية، وجرأة أكبر لكي نستمر في الخطوات القادمة.
ربما سيطول الانتظار، ستمكث لسنوات، ستنسى لماذا أنت هناك، عند تلك الحافة، ستعتاد على المكان، وسيصبح منطقة راحة. هذا يعتمد على تحفيزات النفس، والبيئة، وطموحك، ونيتك الصادقة للتقدم. وبطبيعة الحال، وبحسب شخصيتك، أنت من يعرف نفسك: هل يجب أن تتقدم أم تستقر في راحتك؟ وهل هذا الاستقرار سيبقى مواكبًا لمتطلبات الأيام، أم أنك ستتأخر عن الركب؟ ولو تأخرت، هل هذا التأخر يعني لك شيئًا؟ أم أنه هدوء من صخب الظهور وضغط المسؤولية؟
أنت من يجب عليك أن تعرف نفسك أولًا، وما الذي يناسبك. لا تقارن نفسك بالآخرين. اسأل نفسك: هل تحب التميّز؟ هل تريد أن تغيّر شيئًا؟ تصنع مجدًا؟ تترك أثرًا؟ إذًا لا يمكن أن تكون في منطقة الراحة. أم أنك سعيد ولا تبالي بما يحدث حولك، مركّزًا على نفسك، بعيدًا عن الضجيج؟
اختر، ولا تُجبر نفسك على أن تكون شخصًا آخر، إلا إذا أردت أن تجرّب؛ فجرّب بالتدرّج، وقيّم نفسك في كل خطوة، وتوكّل على الله. فلا تدري، ربما بعد خمس سنوات من الآن تصبح شخصًا آخر. ولكن لا يمكن أن تكون آخر في ليلةٍ وضحاها، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.
الأثر والتوازن في الحياة
وأنت تُصلّي كنتَ مشغولًا تفكر في الدنيا ومشاغل الحياة. فجأة ركعتَ وقلت: “الله أكبر”.
“الله أكبر” هو تنبيه لك أن الله أكبر من أي شيء آخر كنتَ تفكر فيه مهما كان، وهو قادر على أن يعينك عليه، فارجع إلى صلاتك.
أحيانًا يكون سبب الضيق والقلق هو نحن أنفسنا، والحل قد يحتاج فقط إلى جلسة مع النفس بعيدًا عن ضجيج الحياة، صلاة وراحة من الدنيا، أو أن تذهب لوحدك في مشوار، تمنح فيه نفسك بعض الرفاهية؛ كوب قهوة خاص، عصير طازج فاخر، أو وجبة خفيفة تحبها. وأثناء قيادتك للسيارة استمع لبعض آيات القرآن بقلب خاشع بعيدًا عن العالم، ستجد أنك تعيش اللحظة وحدك، وربما تتأثر لأول مرة حين تسمع القرآن وقلبك بعيد عن الملهيات.
النوم.. كأنه هو كل شيء في حياتي، إذا فسد فسد كل شيء، هو الطاقة، وهو الفكر والعلم، هو المنظم والباعث والمحفز، مهما كنت أحمل من علم وفطنه وذكاء، بدون القسط الكافي من النوم، أنا لا أساوي شيء.
هناك أحداث صغيرة تسرق منا طاقتنا ووقتنا، ولكن عندما نرجع ونفكر نسأل أنفسنا: هل كان ذلك الحدث أو الموقف يستحق أن يكون ضمن إهتمامنا أم كان يجب أن نتغاضى عنه؟
الأشياء المهمة كثيرة وتحتاج إلى تنظيم وترتيب حسب الأولوية ، ولكن الأشياء العاجلة هي من تسرق طاقتنا وتجعلنا دائما في حالة قلق وتوتر، الأمر الذي يجعلنا نُحدث تغيير كبير هو إهتمامنا بالأشياء المهمة وقت الفراغ والراحة ، لأن الأشياء العاجلة تحدث فجأة بدون سابق إنذار.
الخاتمة
نعتقد أننا نقترب من أهدافنا، وأحيانًا نستعجل لإنجازٍ معيّن، ولكن في الحقيقة نحن نقترب أكثر من آجالنا… الدنيا كأنها نظرة عين، أو محطة استراحة قبل الدخول إلى دار الآخرة. ملهيات الحياة ومشاغلها توحي لنا بأنها أبدية، وما إن تأخذ زُخرفها لنا وتتزيّن، حتى نتفاجأ بفراق أحدهم؛ كان معنا لسنواتٍ مديدة، ولم نتوقّع أن يفارقنا في غمضة عين، لم يعد موجودًا للأبد، أو تأتينا ساعة الموت بغتة، حين تبلغ الروح التراقي، ويحين الفراق.
حينها نرى الحقيقة التي كُنّا غافلين عنها، ونرى أننا كنا فقط نلهو ونلعب. وماذا بعد هذه الحياة القصيرة العابرة؟ هناك عالمٌ آخر ينتظرنا، غيبيّاتٌ مهما تصوّرناها فلن نعرفها، فماذا أعددنا؟ وماذا قدّمنا؟
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم أحسن خاتمتنا، واجعلنا من المتقين الصالحين، والسعداء في الدنيا والآخره. والحمد لله رب العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.





.
٣. الأفكار آثار مادية عميقة
الأفكار في حد ذاتها ليست جوهرًا مستقلًا، إنما هي آثار لتلك الأحداث التي تحدث في المستوى العميق من المادة. كما أن هناك أثرًا مغناطيسيًا وأثرًا حراريًا وأثرًا إشعاعيًا، هناك أيضًا الأثر الفكري.
الفكرة ليست وهمًا ولا خيالًا صرفًا، بل أثر مادي من نوع خاص، جارٍ وفق قدره المرسوم من خالق كل شيء. كما أن الحرارة لا تُرى لكنها تُقاس، وكما أن المجال المغناطيسي لا يُمسك لكنه فعّال، كذلك الفكر: لا يُرى، لكنه نتاج عمليات حقيقية تجري بقدر خالق كل شيء
ماشاء الله تبارك الله
جزاك الله خيرا