بين الضجيج والسكون: تأملات أب في تربية الأبناء
«تربيتكِ أصعبُ من قيادةِ فريقي في العمل»
قلتُ هذه العبارة يومًا لابنتي. تُغضبني رغم هدوئي، وتثير أعصابي بعنادها، رغم مواجهتي لمشاكلَ مستعصيةٍ في عملي. وعندما أُعيد التفكيرَ في حالي، أسأل نفسي: هل أنا شخصٌ آخر في البيت؟ أم أنّ البيئة هي السبب؟ هل أنا مَن يجب أن يُغيّر سلوكه؟ أم أنّه شيءٌ طبيعيٌّ أن أتصرّف كشخصٍ عاديٍّ في منزلي، وأتأقلمَ بكلّ مزاجاتي: غضبي، فرحي، حزني، وأملي؟ أتعاملُ كطفلٍ مرة، وكأخٍ مرة، كأبٍ أحياناً، وكزوج أحيانًا أخرى.
الأطفال… ذكرياتٌ تعودُ بي إلى الزمن الجميل، ومع ذلك فإنَّ واقعهم أحيانًا مُزعِجٌ؛ أصواتٌ عالية، شِجارٌ وعِراك. وفي الليلِ ضجيجٌ، رغم أنّه جُعِل سَكَنًا. عنادٌ وإصرارٌ؛ بعضُه يوحي بطفلٍ ذي شخصيةٍ واثقة، سيكون لها شأن عظيم، فأصبر، والكثيرُ منه يوحي بعدم احترامِ للكبير، فأحزم. إذا أرخينا تمادَوا، وإذا حزمنا خافوا. إذا كنّا معهم تمايَعوا ولانوا، وإذا أشددنا انكسروا وما بانوا.
في الجانب الآخر، عندما أغيب عنهم، أشتاق لضجيجهم العذب، وأتذكر هذه القصيدة ل عمر بهاء الدين الأميري، تصف المشهد بشكل مدهش:
أين الضَجِيجُ العَذْبُ والشَغَبُ
أين التدارسُ شَابَهُ اللّعبُ
أين الطفولةُ في تَوقُدِها
أين الدُّمى في الأرضِ والكتبُ
أين التشاكسُ دون ما غَرَضِ
أين التَشاكي ما له سببُ
أين التباكي والتضاحكُ في
وقتٍ معاً.. والحُزُن والطَربُ
أين التسابقُ في مجُاورَتي
شَغَفاً إذا أكلوا وإن شَرِبوا
يتزاحمون على مجالستي
والقربِ منّي حيثما انقلبوا
يتوجّهون بسوق فطرتهم
نحوي إذا رهبوا وإن رَغبوا
…
أحمد الله على وجودهم معي، نعمة عظيمة يفتقدها الكثير، فاستشعرها وأجتهد للعيش معهم بصحة وعافية وأمن وأمان… عندما أرى أبًا يعاني من التشرد في بلده، مقهورًا لا حول له ولا قوة، يرى ابنه مريضًا ولا حيلة له، لا دواء، وقلة غذاء، برد وأمطار، في مخيمات، نازحين ومتضررين، خوف وجوع، ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، ومع ذلك صابرين على أشد أنواع الابتلائات. فالحمد لله رب العالمين على ما نحن عليه من نعم لا تُعد ولا تُحصى.
أدعو دائمًا ربي أن يعينني على تربية أبنائي، وأن يَلهمني الصواب في التعامل معهم، وأن أكون قدوة حسنة لهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

