عوالم خفية: دعوة للتعاطف والرحمة.
في أرجاء هذا العالم الواسع، هناك شخص يعاني لا نعرفه. ربما لا يجد مأوى، في مخيمٍ مغمورٍ بالمياه، تحت وطأة الجوع وصَرْد البرد، لا يجد قوت يومه، مريض في بدنه، وزاد عليه الخوف.
وفي جهةٍ أخرى، هناك شيخٌ كبير، لا يزال أبناؤه صغارًا، يجب أن يعتني بهم، تقاعد من عمله، وتركه الجميع... وشخصٌ آخر وحيد، يريد أن يكوّن عائلة جميلة، لكنه لا يستطيع؛ لا يجد المال، وربما نفر منه الناس لشيءٍ ماضٍ علق به، رغم تغيّره وتبدّل حاله، ورغم أنه أصبح رجلًا صالحًا، فالحياة لا ترحم.
وبينما أسير في طريقي، هناك طفلٌ صغير يجلس تحت حرارة الشمس، يبيع ماءً، لعله يسد رمق عيش إخوته... وهناك فتاة لا تجد كلمة طيبة؛ طغى الخشن على اللين، بحجة أن الآلام تُعلّمنا. وطفلٌ هدّدته مثالية والديه؛ يريدان أن يصنعا منه عالِمًا بين ليلة وضحاها، حتى احتقر نفسه، ولم يجد لها قيمة.
وشخصٌ آخر طموح، مجتهد، مميز، تفاجأ بالواقع؛ لم يصبر من أول اختبار، فباء بالفشل، وخيّم عليه اليأس. لم يجد من يشدّ بيده، ليقرّبه ويعيده لمساره، لعله يُحدث بعد ذلك أمرًا، ويرى مع العسر يسرًا، وأنه بعد الصبر والإحسان يدرك أن الله لا يضيع أجر المحسنين.
وهناك من يسمع نداء الصلاة ولا يلبّي، يعرف فضل الدعاء ولا يدعو، يحب الكلام الطيب وكلامه بذيء؛ تلك معركة بين الوعي والتطبيق... وشخصٌ خرج من بيته إلى عمله، فوجد مسؤوله الذي لا يرحم، يهدده ويلقي كل اللوم عليه، ويعاتبه، فيكلفه بعشرات المهام في آنٍ واحد، فيرجع مهمومًا إلى بيته، صامتًا، لا يزال فكره خارج البيت، فينهال عليه زوجه بالعتب دون معرفة ما وراء الجُدر، دون احترام أو محاولة لإرجاع المياه إلى مجاريها… وهناك وهناك وهناك، لا أستطيع حصرهم.
عندما نتذكر أن لكل شخص حياة مختلفة، ولكل واحدٍ منا معاناته مع نفسه ومحيطه وحياته، ولكل منا خفاياه وأسراره وتحدياته، وأن لكل منا عالمًا آخر؛ نراه معنا مبتسمًا، يضحك ويناقش ويدّعي المثالية، وهو في ضيق لا طاقة له به، ندرك أنه علينا أن نلتمس الأعذار، وأن نشعر بهم وبما يعانون، وأن نحاول أن نأخذ بأيديهم، بمساعدتهم ولو بكلمة طيبة، أو بدعوة صادقة، أو بصدقة جارية، أو بعلم يُنتفع به، أو بقلبٍ رحيم، وذلك أضعف الإيمان.



