القراءة المبكرة: بناءٌ للفكر أم بذور صراعٍ في الداخل؟
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
ربِ اشرح لي صدري ويسر لي امري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
لقد ترددت في نشر هذا المقال؛ حتى لا يُفهم خطأً، أو يُساء مقصده، وربما يُقتطع جزء منه فيخل بالمعنى. ولكنني أرجو أن يبقى الكتاب ذا قيمة لكل الأعمار، وأن يُحسَن اختياره وقراءته.
سأبدأ المقال بسؤال:
هل قراءة الكتب منذ الطفولة والتعوّد عليها أفضل؟ أم من الأفضل أن تُقرأ في عمر أكثر نضجًا بعد العشرين؟
قد يبدو الجواب منطقيًا وواضحًا للكثير من الناس، بأن القراءة مهمة منذ الطفولة، وكلما كان الطفل قارئًا منذ البداية كان أكثر وعيًا وإدراكًا.
كنت أتساءل وأفكر: هل كنت سأكون أفضل لو قرأت مبكرًا؟ هل ضاعت مني السنوات الخمس والعشرون الأولى إذ لم أقرأ الكتب، غير كتب المدرسة والجامعة؟
ثم أخذت أفكر بطريقة أخرى: هل الطفل أو الشاب في مقتبل عمره قادر على التمييز بين الحق والباطل؟ بين الصواب والخطأ؟ وهل يستطيع أن يجاري أفكار الكُتّاب ويقرأ بصوت الناقد؟
هل الفطرة السليمة غير الممزوجة بأفكار أخرى أحق أن تكون أساس البداية، حتى ينضج الطفل والشاب ويتفتح عقله بتدرّج؟ فبعض أفكار الكتب قد تفسد العقل وتزوّده بأفكار دخيلة لا تتوافق مع العقيدة الإسلامية.
أم أن القراءة مهمة منذ البداية للطفل؟ وإذا غرسناها فيه، فهل يستطيع أن يختار بحرية ما يقرأ؟ وإن اخترنا له، فهل ستكون تلك الكتب من اهتماماته؟
وفي ظل سهولة الوصول إلى مصادر التعلم الآن، ماذا يضمن لنا أنه سيقرأ الموثوق؟
بينما في الجانب الآخر، لو تركنا الطفل يتعلم من المدرسة والحياة بشكل طبيعي، ثم بعد أن ينضج ويفهم ويدرك ما يقرأ، يبدأ بالقراءة وهو واعٍ؛ على أساس أن ما تعلمه في بداية حياته كان القرآن الكريم والعقيدة الإسلامية، وأضاف إليها منهج المدرسة.
لكن السؤال الأهم: هل سيحب القراءة بعد عمر طويل دون ممارسة، ودون ذكريات تحفزه؟
أعتقد أن الكثير من الأطفال والشباب الذين بدأوا بالقراءة منذ نعومة أظفارهم تأثروا بالقراءة وبالكتب بشكل إيجابي، وبعضهم بصورة سلبية، فدخلت عليهم ثقافات وأفكار قادتهم أحيانًا إلى الانحراف، والجرأة في التفكير والتعامل مع المجتمع بشكل غير متوازن.
يعتقدون أنهم بذلك مثقفون، وأنهم أرقى وأقوى معرفة من الشاب الذي ترعرع منذ صغره على مساعدة والده وأسرته، فلم يجد وقتًا للقراءة ولا للتعمق في العلم. اكتفى ذلك الشاب بالعلوم الأساسية في مرحلة، وبحفظ القرآن في مرحلة أخرى، ثم بمناهج المدرسة والجامعة. فخرج من بيته صافيًا على فطرة لم تُعكَّر بأفكار الكتب الأخرى. فلما بلغ أشده، بدأ يشق طريقه وحده محاولًا اكتساب الحكمة والعلم من خلال الكتب والحياة معًا في مرحلة متقدمة من عمره، وهي مرحلة أصبح فيها أكثر وعيًا، وقادرًا على فهم ما يقرأ وما ينفعه ويضره، أكثر مما كان قبل العشرينيات من عمره.
كنت أفكر في هاتين الفكرتين كثيرًا، وأيهما أنفع لابني: هل قراءة الكتب في مرحلة متأخرة؟ أم أغرس فيه حب قراءة الكتب منذ الطفولة؟
لا يخلو أي كتاب من خطأ، مهما اخترت واجتهدت في انتقائه؛ فهو يحتوي على أفكار سليمة وأخرى خاطئة، بشكل مباشر أو غير مباشر.
فهل يجب (بشكل أساسي) أن نحرص على أن يتعلم القرآن الكريم ويحفظ شيئًا منه، فهو الكتاب الوحيد الذي أثق به؟ ونترك الكتب الأخرى، فربما لا تهم في هذه المرحلة من عمره، ما دام يتعلم الأساسيات في المدرسة والعلوم، ويهتم بدروسه وتحصيله؟
أنا لا أميل إلى فكرة معينة، ولكنني أتساءل وأدعو للبحث في الموضوع بشكل أعمق، مهما بدا للكثيرين أنه منطقي، وأن الجميع يجمع على أن القراءة للطفل مهمة، وأنه يجب أن نختار لهم ما يقرأون حتى يكبروا ويقرأوا ما يحلو لهم بأنفسهم.
تخيل أن طفلًا قرأ هذا المقال، هل سيؤثر فيه؟ هل سيتراجع عن القراءة؟
إن تراجع وقدم الأعذار، وافترض أن قراءة الكتب غير مهمة في بدايته حتى يبلغ العشرين، إذن فقد تأثر بمقال عابر. فهل تظن أنه لن يتأثر بأفكار أكثر ضررًا وأعمق أثرًا في نفسه ومبادئه ومعتقداته من خلال كتب أخرى، بينما كنا نحسب أنه يحسن صنعًا؟
كنت في صغري، ولفترة بسيطة من مرحلة المراهقة، أظن أن كل ما في الكتب صحيح، وكل ما فيها مهم ويجب أن أطبقه. عندما بدأت بالقراءة، كنت أهز رأسي موافقًا لكل عبارة منمقة أو نصيحة، كأنها دستور يجب أن أطبقه. كنت أتشبع بأفكار مختلفة، ورغم أنني لم أكن أقرأ كثيرًا (ومن حسن حظي ربما) إلا أنني لاحظت ذلك، وأتذكر بعض المواقف وبعض التأثيرات، خصوصًا في كتب تطوير الذات. لم أجد من يوجهني، ولا من يرشدني، أو حتى من يشتري لي كتابًا. كنت أحب أن أكون قارئًا، ولا أقرأ.
وفي نهاية العشرينات أدركت أن القراءة والمعرفة مهمتان لتطوير الإنسان، وأن العلم نور، فتحسّرت على ما مضى من وقتي دون قراءة. لكن بعد أن أعدت التفكير في بداية الثلاثينات، وسألت نفسي بعض الأسئلة العميقة، أدركت أن ما حصل لي كان خيرًا لي؛ لأنني لم أكن أقرأ لأجل الوعي واكتساب الحكمة ومعرفة الحقيقة، وإنما كنت أبحث عن معلومات للثقافة كما أعتقد. كنت أعتقد أن الكُتّاب أناس عظماء لا يخطئون، وأن كل ما يكتبون هو عين الصواب، أو أنني لم أكن أدرك أن هناك أخطاء في الكتب لأنها مدققة. كان ذلك تفكيري وأنا في العشرين من عمري.
العالم اليوم اختلف، والآباء ربما أصبحوا أكثر قربًا من الأبناء بحكم التعليم لكلا الجيلين؛ فهم متعلمون في المدارس، وفجوة النقاش حول القراءة والكتب أصبحت أصغر من ذي قبل. لذلك يمكن للوالدين الحرص على انتقاء الكتب لأبنائهم في مراحلهم الأولى.
ومع ذلك ما زلت أطرح السؤال للبحث فيه. ولا أقصد كتاب الله؛ فهو لا بد من تعليمه منذ الصغر، بالإضافة إلى الكتب الأساسية كالرياضيات والعلوم واللغة العربية والتربية الإسلامية التي هي في المناهج الدراسية المنقحة. ولكن أقصد كتب العامة، وخصوصًا كتب تطوير الذات، والفلسفة، والروايات والكتب الفكرية.
هل من الأفضل تأجيل القراءة الكتب العامة إلى ما بعد سن الرشد والنضج، أو لنقل بعد الثامنة عشرة؟ أم أن الخوض فيها منذ البداية له نفع أكثر من مضارها؟




القراءة المبكرة توسع الأفق وتعلم التفكير لكن الخطر ليس في القراءة ذاتها بل في الغرق في أفكار عميقة قبل الاستعداد لها أو في تصديق كل ما يُقرأ كأنه حقيقة لا تقبل النقاش