الأمل وسط العتمة
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ربِ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
… وكنتُ قد وصلتُ إلى كهفٍ مظلم، لا أرى فيه غير نقطةٍ بيضاءَ صغيرة، كانت في زاويةٍ بعيدةٍ وصعبةِ المنال. أخذتُ أقترب منها رويدًا رويدًا، وفي طريقي كنتُ أتعثر بكوماتٍ من حجارة، وأحيانًا بحواجز أقع على أثرها ثم أنهض. شعرتُ بقطراتٍ تسيل من ساقي، وبحرقاتٍ تلسع مرةً كتفي، وأخرى في جزءٍ آخر من بدني.
أكملتُ المسير، فرأيتُ نقطةً أخرى في ناحيةٍ أبعد، وكنتُ على وشك الوصول إلى النقطة الأولى، وما إن مددتُ خطوةً نحوها حتى اختفت فجأة، كأن مخلوقًا طائرًا (أحسبه غرابًا) دخل مسرعًا فأغلقها عني، فوقعتُ من فوري شبهَ مغشيٍّ عليّ، كأن الدنيا من حولي سُيِّرت، وحواسي عُطِّلت، ولم يبقَ إلا ذلك النبض.
وأدركتُ أن تلك النقطة ليست بابي للخروج من العتمة، فجمعتُ قواي، وذكرتُ ربي أن يهديني سواء السبيل، وأن يعينني على الوصول إلى النقطة الأخرى. نهضتُ بحذر، وشعرتُ بأنني أقوى. سرتُ، وكانت النقطة الأخرى بعيدةً جدًا، فانطلقتُ بسرعة، فاصطدمتُ بحائط، فشُجَّ رأسي، وارتددتُ بقوةٍ على الأرض. وأخذتُ أتأمل المكان وأنا مُلقى، أنظر إلى سماء الغار، أتنفس بهدوء، أستريح من عناء الرحلة، وأخطط بجدٍّ لأبصر الطريق بقلبي.
وما هي إلا لحظات، حتى رأيتُ ذلك الغراب يبحث في الكهف (يحفر) عن فتحةٍ أخرى على بُعد خطواتٍ قليلةٍ مني، فابتهجت روحي، وأخذتُ أمشي بحذرٍ نحوها، أنظر إلى الطريق، وأتجنب العثرات، وأغضّ بصري عمّا يخيفني، وأحدّق في الفتحة بشوقٍ وشغف. اطمأن قلبي حتى وصلتُ، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
خرجتُ منها، فإذا أنا في قمةِ جبلٍ عالٍ، تحيط بي جبالٌ ووديان، وأرى قريةً صغيرةً خضراء في الأسفل، وهناك تلةٌ أخرى أعلى، توحي بحياةٍ وبشرٍ يعيشون فيها. وكانت هناك خيارات لمساراتٌ كثيرة لا أحصي لها عددًا، تقود إلى المكانين. فأخذتُ أفكر وأتأمل، وأسأل نفسي مجددًا: إلى أي جهةٍ أسير هذه المرة؟
فعلمتُ أن في هذه الحياة مسالكَ ومقاصدَ عديدةً للوصول إلى ما نريد، وأنها كمثل غيثٍ أعجب الكفارَ نباتُه، وفيها ما فيها من زينةٍ ولهوٍ ولعب، ممزوجةً بمتاعبَ وقممٍ وهضاب. فقلتُ: أمكثُ قليلًا في مكاني، آوي إلى ركنٍ في هذا الجبل، أشحن طاقتي، وأقيم بعض الليالي هنا، لعلّي أطمئنّ وأسكن، وأتأمل وأفكر بهدوء، ثم أقرر في رحلتي القادمة. فهكذا هي حياتنا: مطبّاتٌ ومسارات، تحتاج إلى صبرٍ وسعي، وحكمةٍ وتوازنٍ بين طموحٍ وهدوء، ومنافسةٍ وتوقف. ولن يسهل مسيرنا إلا بالاستعانة بالله والتوكل عليه.


قطعة رائعة! استمتعت بقراءتها واستفدت من معانيها. شكراً جزيلاً.