رحلتي مع الكتابة: من التجربة إلى النضج.
الكاتب العظيم يسحرني بكلماته، يجعلني أشعر بأن للحروف روحًا، تهمس في أذني، تقول لي: أنا هنا، ركّز، افتح قلبك، وأنصت إليّ؛ فهناك شيء يشبهك يجب أن تسمعه. فأتركُ كلَّ شيءٍ يشغلني، أخرج من أفكاري، وأتوجّه تلقاء الكلمات، أغضّ بصري، أسمع صدى الضجيج ولا أبالي؛ أقرأ بخشوع، أتنفّس حروفًا، ويخرج الاسترخاءُ زفيرًا… كلماته كانت ضيفًا دخل عليّ على حين غفلة، وجاءت بغنائم جمّة، عطاؤها: لغةٌ فصيحة، كلمةٌ بليغة، وربما نثرٌ عتيق تجدّد بلقائي.
كانت بدايتي مع الكتابة فضولًا لمعرفة ذاتي مع الحروف: هل أستطيع كتابة نص أم لا؟ وهل سيكون ذلك النص مؤثرًا للقارئ؟ كانت مجرد تجربة. كنتُ أكتب ولا أقرأ الكتب؛ كنتُ أقرأ الحياة، أقرأ المشاعر، أقرأ أفكاري وبوح صدري. كلما مررتُ بمصيبة أو ضائقة، جلستُ مع نفسي أبحث عن حلٍّ لها. وقد يستغرق الجواب سنوات، وحين يأتي بصيصُ أملٍ للحل أدوّنه، وأعبّر عنه من خلال تحليلي للأحداث السابقة، وما آل إليه حالي بعد أن غيّرتُ تعاملي مع تلك المشكلة أو القضية. ومع ذلك، لم أكن خاليًا من المفردات، وربما كان لصدقي في التعبير ونيّتي الخالصة ما أعطى طابعًا خاصًا لما أكتب.
مع الأيام، بدأت أحبَّ الكتابة، وأصبحت ملاذًا لي، وتحسّنت حياتي بها. وبسبب ممارسة الكتابة، بدأتُ أتلذذ بالقراءة أيضًا، وزاد حبّي لها، ولكنني كنتُ أجد صعوبة كبيرة في قراءة الكتب، ولا أجد ما يناسبني بسهولة. وبين حينٍ وآخر، في زحمة الكلمات، أجد أحيانًا ما يسرّني فأغوص في أعماقه… دعوتُ نفسي والآخرين ألّا ينتظروا المثالية، وأن نكتب ونعبر عن خواطرنا وننشر دون خوف من الفشل أو الخطأ. كان ذلك لأجل أن نكتسب الثقة في أنفسنا، وأن نعبّر بأريحية دون قيود الفصاحة والبلاغة والبيان وغيرها (كنتُ في مرحلة التجربة مع الكتابة). نعم، لا زلتُ مع فكرتي، حتى تنمو مَلَكة الكتابة والتعبير بسلاسة، وحتى يتسنّى لك معرفةُ نفسك: هل أنت فعلًا تحبّ الكتابة، أم أنها تجربة عابرة؟ هل أنت هاويًا للكتابة؟ أم أنك تريد أن تكتب كتابًا يومًا ما؟
بعد معرفتك لهذه الأجوبة، وبعد ممارستك الطويلة للكتابة، حان وقت اكتساب المزيد عنها، وهو الطور الثاني الذي سيكون دافعًا آخر لك للتقدّم، تُعطي فيه الجودة أولوية، فقد نضجت الحروف على نارٍ هادئة، وهذه المرحلة تتطلّب جهدًا مضاعفًا، بل عملًا شبه يوميٍّ، حتى تصل.
للوصول إلى مرحلة الكتابة المؤثرة، لا بُدّ أن أجتهد، أقرأ جيدًا، أتلذذ بالكلمات، أدوّن الفصيح في قلبي، والبليغ في عقلي، والجميل في روحي. لكل كلمةٍ صوتٌ مميّز يتردّد في أذني. وقبل هذا كلّه، يجب أن أختار ما أقرأ… وهنا أريد أن أتحدث عن مرحلة النضج من رحلتي مع الكتابة؛ وهي مرحلة لا تزال في بدايتها، لكن الملامح بدأت تظهر. وخطتي ستكون في أربع أساسيات، أراها مناسبة لي كبداية.
أولاً: البحث عن مصادر لإثراء لغتي ومفرداتي.
اللغةُ العربية مصادرها كثيرة، أولًا: كلامُ الله قبل كل شيء، فكل كلمةٍ فيه إعجاز، وكل آيةٍ نتدبّرها تُخرج لنا معاني عظيمة، وفضائل عديدة، وبلاغةً لا مثيل لها. سبحان الله، إعجازه يتعدّى العلم والبلاغة، ويصل إلى إعجازٍ خطابي، كأنّه يخاطبني في كل مكان وزمان… ولقد بحثتُ عن مصادر أخرى يمكن أن تكون بدايةً جميلةً لي كاتبًا يحبّ الفصاحة والبلاغة. وبحثي ذاته جلب لي منابع علمٍ وأدبٍ كثيرة، ككتب ابن المقفّع وابن قتيبة والجاحظ، التي وجدتها تناسب ذوقي وجودة ما أَصبو إليه. لم أبدأ الرحلة بعد، فأنا في بداية الطريق، وأعتقد أنّ هناك كُتُبًا وكُتّابًا فحولًا في انتظاري، وربما بعضهم يتفوّق على من ذكرت. سأستمتع بهذه الرحلة، إن شاء الله، وهذا هو السبب الذي يدفعني بكل شوقٍ وشغفٍ كل يوم؛ لأني عرفتُ نفسي أولًا، وعرفتُ لماذا أريد أن أكتب.
ثانيًا: الاهتمام بالبلاغة في كتاباتي.
البلاغة تشدّني كثيرًا، تجعلني أنبهر، كيف لكلمة أن تختصر جملة؟ وكيف لجملة واحدة أن تختصر شعورًا ووصفًا من صفحات؟ السؤال الأهم: كيف اكتسب هذا الكاتب تلك البلاغة؟ وكيف له أن يغوص في أعماق الألفاظ ويختار الأنسب لكل مناسبة أو موضوع أو شعور… قيل لعبدالحميد بن يحيى: أيُّما أحبّ إليك: أخوك أم صديقك؟ قال: إنما أُحبّ أخي إذا كان صديقي. جملة واحدة كانت كافية بأن تشرح أن رابطة الأخوّة بالنسب والدم لا تكفي لتجعل الأخ مقربًا حقًا، ولكن بالصداقة، القرابة، المودة، الوفاء والفكر تكون الرابطة أقوى.
وفي البيان والتبيين عن إسحاق بن حسان بن فوهة، أنه قال: لم يُفسّر البلاغةَ تفسيرَ ابن المقفّع أحدٌ قط؛ سُئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لِمَعانٍ تجري في وجوه كثيرة، منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابًا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما يكون سجعًا وخُطبًا، ومنها ما يكون رسائلَ، فعامَّةُ ما يكون من هذه الأبواب الوحيُ فيها والإشارةُ إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة.
ثالثًا: الإهتمام بالفصاحة.
الفصاحةُ مصطلحٌ آخر يختلف عن البلاغة، ومن معاني الفصاحة: الظهورُ والبيان. واختلف علماء اللغة في تعريفها.
الفصاحةُ الظهور والبيان، ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته، وفصح فهو فصيح. قال الشاعر: وتحت الرغوة اللبن الفصيح. ويقال: أفصح الصبح إذا بدا ضوءه، وأفصح كلُّ شيء إذا وضح.
وذُكرت الفصاحة في الكتاب العزيز:
"وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (٣٤)" القصص [34-34]
وقيل إن الفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحةَ مقصورةٌ على وصف الألفاظ، والبلاغةُ وصفٌ للألفاظ والمعاني معًا. فلا يُقال في كلمةٍ واحدةٍ لا تدلُّ على معنى إنها بليغة، وإن قيل فيها إنها فصيحة. فكلُّ كلامٍ بليغٍ فصيح، وليس كلُّ كلامٍ فصيحٍ بليغًا، كالذي يقع فيه الإسهابُ في غير موضعه. ولقد قرأتُ بعضَ الكتب، ولفتني فيها الإسهابُ المفرطُ وتكرارُ الأفكار، رغم فصاحتها وجمال سردها، ولكنها تفتقد البلاغة. فبالبلاغة يمكن اختصار عشرات الصفحات ببعض جوامع الكَلِم في صفحة، ولا أقصد كلَّ المواضيع، ولكن لكلِّ مقامٍ مقال.
رابعًا: التوازن بين الإيجاز والإسهاب.
ومن الأمور المهمة للكاتب التوازنُ بين الإيجاز البليغ والإسهابِ المفرط، وذلك بحسب الموضوع ومقتضى الحال. وقد جاء القرآن الكريم بإعجازٍ وإيجازٍ بلاغيٍّ في بعض المواضع، وحضر فيه الإسهابُ في مواضع أخرى، كقصةِ سيدنا يوسف التي خُصت لها سورةٌ كاملةٌ شرحت الأحداث بالتفصيل.
الفصاحة، البيان، البلاغة، الإيجاز، الإسهاب، والاقتباس، وغيرها من المصطلحات التي يجب أن يفهمها الكاتب، وأن يعرف شيئًا عن أدب الكاتب والمفردات اللغوية. كل هذا لن يأتي من فراغ، بل يحتاج إلى عمل مستمر وتطوير في المهارات. أعلم أن بعض الناس لديهم مهارة فطرية في التعبير والكتابة، ولكن مهما كان، هدفك من الكتابة يحدد ما إذا كنت تحتاج إلى معرفة هذه التفاصيل عن الكتابة، أم الاستمرار على العشوائية والفضفضة لأجل التفريغ أو ممارسة هواية.
من أراد أن يصل لغاية منشودة وهدف عظيم، سيجد في طريقه وسائل عديدة. للوصول إلى مرحلة تجعل فيها القارئ يقرأ لك، ويستمتع بكلماتك، ويعيش معك، مع أفكارك، وبين سطورك وخيالك، سيكون الأمر صعبًا، ولكنه ليس مستحيلًا. لا زلتُ في بداية الطريق، ولكنني أعتقد أنّ العمل المستمر والطموح، والدعاء والتوكل على الله، سيجلبان لي الوسيلة المناسبة، وهي ربما أحد الأسرار لكل شخص، وتختلف من شخصية إلى أخرى.
أخيرًا: أن تبدأ في الكتابة لا تحتاج أن تكون قارئًا نهمًا؛ تحتاج إلى صدق، إلى روح تُترجم الأحداث على الورق. ولكن لتكون كاتبًا عظيمًا ومؤثرًا، ستحتاج إلى شيء أعمق، اكتشفه بنفسك، فأنا ما زلتُ في بدايتي معك، ولكني أعرف أنك ستحتاج إلى جهدٍ مضاعف. ومهما كان، أعتقد أن القراءة المستمرة، وجودةَ المدخلات وتنوّعها بين موزونٍ ومنثور، والجمعَ في الكتابة بين الصدقِ والفصاحةِ والبلاغةِ، مفاتيحُ رئيسية للوصول إلى الكتابة المؤثّرة.
شكرًا لك على القراءة باهتمام. أردتُ أن يكون هذا المقال طويلًا، على غير عادتي، لأن الموضوع يستحق أن نكتب عنه ونُسهب.
للقراءة عن بدايتي مع الكتابة، كتبت عنها في مقال آخر:
https://open.substack.com/pub/thinkingchanges/p/4a0?r=5f62vi&utm_medium=ios
وكتبت مقالًا آخر عن الكتابة بروح، بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي:
https://open.substack.com/pub/thinkingchanges/p/f5f?r=5f62vi&utm_medium=ios
وكتبت حين تهمس الحروف:
https://open.substack.com/pub/thinkingchanges/p/72c?r=5f62vi&utm_medium=ios



بالبداية حسيت وكأنك تكتب عن رحلتي ! كنت أكتب قبل لا أقرأ، بدون أيّ قواعد أو أُسس ، مجرد كتابة للشعور ، للأفكار أو لتأملاتي. ومن الكتابة حبيت القراءة، وكان صعب ألقى كتب تشدني ، وحتى بالبداية شكّيت باهتمامي بالقراءة. لكن بعد فترة لقيت نفسي منغمسة بقراءة اقتباسات ، وأحب جدًا تركيب الكلمات لوصف الحال والشعور ، وأحب أجمع مصطلحات جديدة لاستخدامها. أخذت وقت طويل أقرأ اقتباس تلو اقتباس إلى أن قررت مؤخرًا شراء مجموعة كتب ، واستمتعت باختياراتي هالمرة.
المقال جميل اتمنى ليك التوفيق